صديق الحسيني القنوجي البخاري
127
فتح البيان في مقاصد القرآن
ليأكله ، وفي هذا دليل على أن العقوبة على قدر الذنب ، لا على قدر الجسد . وحل له تعذيب الهدهد لما رأى فيه من المصلحة ، كما حل ذبح البهائم والطيور للأكل وغيره من المنافع ، وإذا سخر له الطير لم يتم التسخير إلا بالتأديب والسياسة . وعن الحسن قال : كان اسم هدهد سليمان غبر ، قال الشوكاني : لا أدري من أين جاء هذا للحسن رحمه اللّه ، وهكذا ما روي عنه أن اسم النملة حرس ، وأنها من قبيلة يقال لهم بنو الشيصان ، وأنها كانت عرجاء ، وكانت بقدر الذئب ، وهو رحمه اللّه أورع الناس عن نقل الكذب ؛ ونحن نعلم أنه لم يصح عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم في ذلك شيء . ونعلم إنه ليس للحسن إسناد متصل بسليمان ، أو بأحد من أصحابه فهذا العلم مأخوذ من أهل الكتاب . وقد أمرنا أن لا نصدقهم ولا نكذبهم . فإن ترخص مترخص بالرواية عنهم لمثل ما روي : « حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج » « 1 » ، فليس ذلك مما يتعلق بتفسير كتاب اللّه سبحانه بلا شك ، بل فيما يذكر عنهم من القصص الواقعة لهم . وقد كررنا التنبيه على مثل هذا عند عروض ذكر التفاسير الغريبة . أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ بقطع حلقومه أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطانٍ مُبِينٍ هو الحجة البينة في غيبته . قال ابن عباس : السلطان المبين خبر الحق الصدق البين . وعنه قال : كل سلطان في القرآن حجة ، وذكر هذه الآية ثم قال : وأي سلطان كان للهدهد ؟ يعني أن المراد بالسلطان الحجة ، لا السلطان الذي هو الملك ، والحلف في الحقيقة على أحد الأولين بتقدير عدم الثالث ، فكلمة ( أو ) بين الأولين للتخيير ، وفي الثالث للترديد بينه وبينهما . قال الزمخشري : فإن قلت : قد حلف على أحد ثلاثة أشياء فحلفه على فعله لا كلام فيه ، ولكن كيف يصح حلفه على فعل الهدهد ؟ ومن أين درى أنه يأتي بسلطان ؟ قلت : لما نظم الثلاثة بأو في الحكم الذي هو الحلف ، آل كلامه إلى قولك : ليكونن أحد الأمور ، يعني إن كان الإتيان بسلطان ، لم يكن تعذيب ولا ذبح ، وإن لم يكن ، كان أحدهما ، وليس في هذا ادعاء دراية انتهى . و ( أو ) الثانية ترجع في المعنى إلى أنها بمعنى إلا وهي قيد في كل من الأمرين قبلها ، فكأنه قال : لأعذبنه إلا أن يأتيني أو لأذبحنه إلا أن يأتيني بسلطان مبين . [ سورة النمل ( 27 ) : الآيات 22 إلى 24 ] فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقالَ أَحَطْتُ بِما لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ ( 22 ) إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَها عَرْشٌ عَظِيمٌ ( 23 ) وَجَدْتُها وَقَوْمَها يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لا يَهْتَدُونَ ( 24 )
--> ( 1 ) أخرجه البخاري في الأنبياء باب 50 ، وأبو داود في العلم باب 11 ، والترمذي في العلم باب 13 ، وأحمد في المسند 2 / 159 ، 202 ، 214 ، 474 ، 502 ، 3 / 13 ، 46 ، 56 .